الشيخ محمد رشيد رضا

229

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ان هذا الذي صدر منهم وان كان من شأنه ألا يصدر إلا من الكافرين لا يعد بحد ذاته كفرا صريحا في حكم الظاهر لاحتمال العذر والتأويل ولو سجل عليهم به ظاهرا لوجب أن يعاملوا معاملة الكفار مع أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يعاملهم بعد ذلك معاملة المؤمنين حتى إنه صلى على جنازة رئيسهم عبد اللّه بن أبي بعد بضع سنين من واقعة أحد وحينئذ فضحهم اللّه تعالى في سورة التوبة بعد ما كان من ظهور كفرهم ونفاقهم في غزوة تبوك وأنزل عليه ( 9 : 84 وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) فحاصل معنى عبارة الأستاذ الامام انه تعالى كان يعلم أنهم يبطنون الكفر وأن امتناعهم عن الجهاد عمل من أعمال الكفر ولكنه لم يصرح به في الآية بل صرح بما يومىء اليه تأديبا لهم عسى ان يتوب منهم من لم يتمكن الكفر في قلبه ومنعا للناس من الهجوم على التكفير . فليعتبر بهذا متفقهة زماننا الذين يسارعون في تكفير من يخالف شيئا من تقاليدهم وعاداتهم وإن كان من أهل البصيرة في دينه وإيمانه والتقوى في عمله ولم يكونوا على شئ من ذلك وقوله تعالى يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ جملة مستأنفة مبينة لحالهم في مثل قولهم هذا أي إن الكذب دأبهم وعادتهم يصدر عنهم على الدوام والاستمرار ليستروا بذلك ما يضمرون ، ويؤيدوا به ما يظهرون ، وهل يكون نفاق بغير كذب ؟ وفي تقييد القول بالأفواه توضيح لنفاقهم بمخالفة ظاهرهم لباطنهم وفي التنزيل آيات أخرى في بيان حالهم هذه . قال ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ ) من الكفر والكيد للمسلمين وتربص الدوائر بهم فهو يبين في كل حين من مخبآت سرائرهم ما تقتضيه الحال وتقوم به المصلحة ثم هو الذي يعاقبهم به في الدنيا والآخرة ومن مباحث اللفظ في الآية ان قوله تعالى « وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا » فيه وجهان أحدهما انه عطف على « نافقوا » وهو الظاهر المتبادر والثاني انه استئناف وقوله قبله « وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا » قد تم به الكلام السابق . قالوا فالوا وفي قوله « وَقِيلَ لَهُمْ » هي التي يسمونها واو الاستئاف على هذا القول وقد قال الأستاذ الامام في هذه الواو ما حاصله : وقد خلط بعضهم في الكلام عن هذه الواو لعدم فهم المراد منها وليس هو بمعنى الاستئناف